أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

157

العقد الفريد

ولذة ما هو فيه عن طلبي ، وقد كان بيني وبينه موعد قد جاز وقته ، ولا وجه لجلوسي . قال : وكنت مقدّم الأمر في دار المأمون ، مقبول القول فيه ، لا أعارض في شيء ، إذا أومأت إليه ؛ فخرجت مبادرا إلى باب الدار ، فلقيني غلمان الدار وأصحاب النوبة « 1 » ، فقالوا : إن غلمانك قد انصرفوا ، وكانوا قد جاءوك بدابة ، فلما علموا بمبيتك انصرفوا . فقلت : لا ضير ، أنا أتمشى إلى البيت وحدي . قالوا : نحضرك دابة من دواب النوبة ؟ قلت : لا حاجة لي في ذلك . قالوا : فنمضي بين يديك بمشعل ؟ قلت : لا ، ولا أريد أيضا . وأقبلت نحو البيت ، حتى إذا صرت ببعض الطريق أحسست بحرقة البول ، فعدلت إلى بعض الأزقة ، لئلا يجوز أحد من العوام فيراني أبول على الطريق ؛ فبلت ، حتى إذا قمت إلى المسح ببعض الحيطان ، إذا بشيء معلق من تلك الدار إلى الزقاق ، فما تمالكت أن تمسّحت ، ثم دنوت إلى ذلك الشيء لأعرف ما هو ، فإذا بزنبيل « 2 » كبير معلق بأربعة مقابض ، ملبس ديباجا « 3 » ، وفيه أربعة أحبل إبريسم ، فلما نظرت إليه وتبينته قلت : واللَّه إن لهذا لسببا ، وإن له لأمرا . فأقمت ساعة أتروّى في أمري وأفكر فيه ، حتى إذا طال ذلك بي قلت : واللَّه لأتجاسرنّ ولأجلسنّ فيه كائنا ما كان . . . ثم لففت رأسي بردائي وجلست في جوف الزنبيل ، فلما أحس من كان على ظهر الحائط بثقله ، جذبوا الزنبيل إليهم حتى انتهوا إلى رأس الحائط ، فإذا بأربع جوار ، فقلن : انزل بالرحب والسعة ، أصديق أم جديد ؟ فقلت : لا ، بل جديد ! فقلن : يا جارية ، هاتي الشمعة . فابتدرت إحداهن إلى طست فيه شمعة ، وأقبلت بين يديّ ، حتى نزلت إلى دار نظيفة ، فها من الحسن والظّرف ما حرت له ، ثم أدخلتني إلى

--> ( 1 ) النوبة : اسم من المناوبة ، أو جماعة من الناس . ( 2 ) الزنبيل : الجراب . ( 3 ) الديباج : ضرب من الثياب . سداه ولحمته من حرير .